ابن عجيبة
295
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالإقبال عليه ، أو : بالاستتار والتجلي ، أو : بالقبض والبسط ، أو : بالمجاهدة والمشاهدة ، إلى غير ذلك . وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ؛ تردون للحساب والعقاب . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي : بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه ، فِي الْأَرْضِ الفسيحة ، وَلا فِي السَّماءِ التي هي أفسح منها وأبسط ، لو كنتم فيها . وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم ، وَلا نَصِيرٍ ؛ ولا ناصر يمنعكم من عذابه . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ؛ بدلائله على وحدانيته ، أو كتبه ، أو معجزاته ، وَلِقائِهِ ؛ وكفروا بلقائه ، أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ؛ جنتي ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع . وباللّه التوفيق . الإشارة : أو لم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحقّ تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، ثم يبطنها ، فيردها لأصلها من اللطافة ، ثم ينشئها النشأة الثانية ، تكون معانيها أظهر من حسها ، وقدرتها أظهر من حكمتها ، فليس عند أهل التوحيد الخاص شئ يفنى ، وإنما يبطن ما ظهر ، ويظهر ما بطن ، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات . وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال ، وهو لب العلم ، وخالصة طريقة ذكر اللّه ، والتفرغ عن كل ما يشغل عن اللّه ، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس . وباللّه التوفيق . ثم ذكر جواب قوم إبراهيم ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 24 إلى 25 ] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 ) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 25 ) قلت : مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ : من نصبها : فله وجهان ؛ أحدهما : على التعليل ، أي : لتوادوا بينكم ، والمفعول الثاني محذوف ، أي : اتخذتم أوثانا آلهة . والثاني : على المفعول الثاني لاتخذتم ، كقوله : اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ * « 1 » . و ( ما ) : كافة ، أي : اتخذتم الأوثان سبب المودّة ، على حذف مضاف ، أو : اتخذتموها مودودة بينكم . و ( بينكم ) : نصب على
--> ( 1 ) من الآية 43 من سورة الفرقان .